ماهي العلاقة بين الطب والسياسة؟
قد يكون الدخول في هكذا مواضيع فيه شيء الغرابة، ويظل القارئ يتساءل عن طبيعة العلاقة بين مهنة واضحة التوصيف (الطب) وأخرى غامضة(السياسة )، ومن حق أي أحد أن يستغرب لكن ما نريد أن نبحثه في هذا المقال هل ممكن للسياسي أن يعالج المسائل العالقة بذهنية الطبيب ، وهل توجد لديه أدوات شبيه بأدوات الطبيب هذا من جهة، ومن جهة أخرى هل يستطيع السياسي المخضرم أن يساعد الطبيب في عمله، ثم هل هناك علاقة وثيقة بين مهنة الطب والسياسة؟
من الخطأ أن نظن أن الدعوة إلى الطب السياسي هي دعوة إلى ضرورة أن يتسلم الطبيب مهمة السياسة وأن يترشح للانتخابات وعليه أن يستلم زمام السلطة السياسية لأنه الأقدر على إدارة السياسة بسبب تخصصه، كلا. على العكس، أنا أؤمن بضرورة احترام الفصل الوظيفي، فيجب أن يبقى الطبيب في مقر عمله وعليه أن يبدع في مجاله وعلى السياسي أيضا أن يبقى في مجاله ويطوره بما يخدم المجتمع لكن الدعوة هنا هي دعوة للسياسي أن يعمل عمل الطبيب في كيفية البحث عن أفضل الطرق لمعالجة المرضى، فخطورة ما موجود من أزمات سياسية واقتصادية ليست هي أقل شاناً من أزمات الفرد الواحد بل على العكس هي الأخطر فالمرض الشخصي يؤثر على صاحبه تأثير مباشر، في حين أن الأزمات والمشاكل السياسة تؤثر على شعوب بأكملها.
عمل الطبيب السياسي أخطر من عمل الطبيب العادي، فالطبيب عندما يخطئ في تشخيص إعطاء العلاج أو يخطأ في عملية معينة قد تكون ضحيته شخص معين، في حين عندما يخطئ الطبيب السياسي سوف تكون ضحاياه بالالاف او بالملايين حسب طبيعة الحدث والقرار المتخذ بصدده. وبهذا انا أتساءل عن إمكانية أن يكون هناك طبيب سياسي يستطيع أن يداوي الجراح التي يعاني منها المواطن، صحيح طبيعة التشخيص مختلفة وطبيعة العلاج مختلفة لكن الهدف والغاية مشتركة.
أبرز التساؤلات هنا
متى يستطيع أن يكون السياسي طبيب، وتعمل السياسة على معالجة كل الأمراض الاجتماعية التي لها علاقة لها بظاهرة السلطة السياسية؟ وهل هناك شروط واحكام يجب تواجدها؟ وهذا ما سوف نناقشة في هذه الدراسة
أولاً مرتكزات الطب السياسي ومخرجاته
في حقيقة الأمر، إن السياسة بمعناها العام صحيح أنها تشمل السلطة السياسية بشكل عام، لكن يبقى الفاعل الرئيس فيها هو صاحب السلطة، فعلى صاحب السلطة تلقى المسؤولية، فهو يستطيع أن يكون طبيب سياسي ناجح، يعالج جميع المشاكل والأزمات بطريقة ممتازة وفق أدوات علمية، وإذا ما كانت مهمة الطبيب الحفاظ على حياة الشخص بمفردة ويعمل على متابعة حالته ويتابع مراحل علاجة، فدور الطبيب السياسي أعظم لأنه سيساهم في إنهائها وكذلك يمنع من حدوثها في المستقبل، كون بعض الأمراض والحالات الجراحية الخطرة نتيجة طبيعة ناجمة عن الحروب، وقلة وجود الدواء وقلة الأجهزة قد تكون نتيجة سياسات خاطئة تعطي الأولوية للحروب على حساب السلام.
ونناقش أولاً مرتكزات الطب السياسي
إن السياسة الناجحة والتي قد تكون بمثابة طب سياسي تحتاج إلى مرتكزات مهمة لابد منها، لعل من أبرزها
1- رجل الدولة
وهو المحور الأساس في الطب السياسي، فبدون رجل الدولة لا يمكن الحديث عن أي مساهمة إيجابية للسياسة ممكن أن تذكر، ولكن برغم تداول مصطلح رجل الدولة بين الأوساط الإعلامية إلا أنه غير واضح لدى الكثير منهم، فليس كل من عمل بالسياسة أو من تقلد مناصب مهمة في الدولة ممكن أن يُعد رجل دولة، كون صفاته مختلفة عن رجل السياسة في أكثر من موضع.
وممكن أن نذكر أهم صفات رجل الدولة بالركيزة الأساسية لأي طب سياسي
أ- رجل الدولة، يعمل وفق أسس مؤسستة ويبتعد عن الميول الشخصية، ويعمل من أجل جميع مصالح مواطنيه ولا يركز على فئة معينة، لذلك فمن أهم صفاته أنه يجمع ولا يفرق ويعمل على بناء وحدة وطنية حقيقية متماسكة.
ب- رجل الدولة، يعمل من أجل بلده ومجتمعه، فهو يغلب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، بمعنى يريد أن يعمل منجز لوطنه ولا يريد أن يعمل منجز له أو لحزبه
ج- رجل الدولة، لا يشخص مواقفه تجاه القضايا المصيرية الحتميه، بل يأخذ بالإعتبار مقدار المصلحة الوطنية وتأثير ذلك على حاضر ومستقبل الدولة، ويتعامل مع جميع المواطنين بمستوى واحد بغض النظر عن دينهم وقوميتهم.
د- رجل الدولة، يجب أن يمتلك قوة التأثير وقادر على أن يتخذ قرارات شجاعة تساهم في بناء دولة المؤسسات، ولديه رؤية واضحة للمستقبل ولديه أيضا رؤية استشرافية للحاضر ولا ينظر للماضي بقدر الاستفادة من التجارب الإيجابية وعدم تكرار السلبي منها.
ومن أبرز معايير رجل الدولة، أنه عندما يغادر منصبه سيترك خلفه انجازات تذكر من جهة، ومن جهة ثانيه يحظى باهتمام واحترام مجتمعه على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم على خلاف نهاية غالبية رجال السياسة والتي غالباً ما تكون إما القتل أو السجن أو النفي أو الاتهام بالفساد .
2- سيادة إحكام القانون
إن نفاذ القانون وتطبيقه يعد ركيزة مهمة من ركائز الحكم الصالح، فرجل الدولة يستطيع أن يعمل على تفعيل سيادة إحكام القانون بشكل عملي، بعدما كانت سيادة إحكام القانون شكلية عند أغلب دول العالم الثالث، فرئيس السلطة السياسية في تلك الأنظمة إلى حد كبير يعمل على قاعدة -الدولة أنا وأنا الدولة- والدولة لا تكون قانونية إلا حينما تخضع جميع الهيئات لقواعد تقيدها، إذ أن خضوع الدولة للقانون يهدف إلى جعل السلطات الحاكمة في الدولة تخضع لقواعد وقوانين ملزمة لها، كما هي ملزمة بالنسبة للمحكومين أيضا، وحكم القانون يقصد به مرجعية القانون على الجميع دون استثناء حكام ومحكومين إنطلاقا من كونه القاعدة الأساسية التي تنظم العلاقات بين مؤسسات الدولة والمرتكز لفصل السلطات واستقلالية القضاء.
3- النزاهة والمصداقية
تعد النزاهة والمصداقية بالعمل مقياساً لرقي وتقدم الأمم والمجتمعات، فلا يمكن للدول أن ترتقي دون وجود مستوى عالي من الشفافية والوضوح، وخلاف ذلك ستكون مقدرات المجتمعات عرضة للسرقة والنهب والاختلاس من أهم مرتكزات العمل السياسي الإيجابي المحافظة على المال العام، وهنا على رجل الدولة أن يعتمد النزاهة في اختيار وزراءة وجميع المناصب بالدولة، وتفعيل الأجهزة الرقابية من أجل المحافظة على المال العام.
ثانيا مخرجات الطب السياسي
جميع المجتمعات تتمنى أن تمارس السياسة دورها الحقيقي في معالجة جميع المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لذلك نجد أن الطب السياسي ستكون له مخرجات إيجابية واضحة ولعل أهم تلك المخرجات
1- تعزيز الحكم الصالح
مفهوم الحكم الصالح استخدم منذ عقدين من الزمن من قبل مؤسسات الأمم المتحدة لإعطاء حكم قيمي على ممارسة السلطة السياسية لإدارة شؤون المجتمع باتجاه تطويري وتنموي ، أي أن الحكم الرشيد هو الحكم الذي تقوم به قيادات سياسية منتخبة وكوادر إدارية ملتزمة بتطوير موارد الشعب وبتحسين نوعية حياتهم .
وقد أوجد المختصون معايير لمثل هذا الحكم، حيث تضمنت الدراسات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تسعة معايير للحكم الرشيد تتمثل في: [ المشاركة السياسية، حكم القانون، الشفافية والنزاهة، حسن الاستجابة، التوافق، المساواة، الفاعلية، وجود نظام متكامل والرؤية الإستراتيجية] وليس هناك من شك في أن معايير الحكم الرشيد يمكن تطبيقها إذا ما كان هناك رجل دولة على رأس السلطة السياسية.
2- تحقيق الوحدة الوطنية
من أهم مخرجات الطب السياسي هو توحيد صفوف أفراد شعب معين تحت إطار دولة واحدة وبناء سياسي قائم على أساس التعايش السلمي وعلى أساس خلق الحوارات المشتركة التي تنتج أواصر التجمع والوحدة وبالتالي إمكانية خلق مجتمع متماسك (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ) وهناك شبه إجماع بين الباحثين على أهمية تحقيق الوحدة الوطنية، إلا أن وسيلة تحقيقها مختلف حولها، لكن ما نعتقده أن وجود رجل دولة على رأس السلطة يستطيع أن يحقق الوحدة خاصة إذا كان هناك قبول ورضا من المجتمع بالحاكم السياسي صاحب السلطة وعندما تتحقق الوحدة سيتحقق حب الوطن، ومن خلال ذلك يستطيع أن يمارس الطب السياسي دوره بشكل فعال ومؤثر.
3- تعزيز المواطنة
إن المواطنة كمفهوم وممارسة هي نتاج من نتاجات التحولات المجتمعية والسياسية المقترن بنشأة الدولة الحديثة، بتعبير آخر، هي حصيلة لترسيخ مفهوم الدولة الوليدة الحديثة وما تقوم عليه من سيادة لحكم القانون والمشاركة السياسية الكاملة في ظل دولة المؤسسات.
أن الحديث عن المواطنة في ظل نظام ديمقراطي ليس حديثاً عن مجموعة تشريعات قانونية دستوريه ووجود مؤسسات وتداول سلمي للسلطة فحسب، وإنما حديثاً عن مجموعة قيم ثقافية وسياسية ودينية لاسيما قيم التسامح والمشاركة السياسية والقبول والتعدد والاختلاف والأخذ بالحلول المعتدلة الوسطيه وحل جميع الخلافات بالطرق السلمية، فضلا عن أن الديمقراطية تتطلب أيضاً قيماً أخلاقية سياسية تساعد على وجود التسامح، وتتمثل تلك القيم بالحرية في مواجهة الخضوع واحترام حقوق الآخرين، ورفض كل أشكال العصبية نحو الآخرين، ونشر العدل والمساواة دون تمييز ديني أو عرقي أو قبلي أو حزبي .
الخاتمة والاستنتاجات
أ- إن تحقيق أو إيجاد الطب السياسي ليس بالأمر السهل، بالذات في بلدان العالم الثالث، نظراً لما تعانيه هذه البلدان من صعوبات ومشاكل كثيرة، لذا فالنجاح على المستوى السياسي في هذه الدول بحاجة إلى قيادة واعية، ورؤى وتخطيط محكم، لغرض الانتقال من الحروب الداخلية والفقر المدقع إلى البناء والتنمية الشاملة، وهذه أهم صفات رجل الدولة المنشود.
ب- إن الطب السياسي ممكن أن يكون طب معالج من نوع خاص، ولكن يجب أن يتعامل مع السياسة بوصفها علم لحل المشاكل والصراعات والأزمات وليس لإيجادها، بمعنى آخر أن السياسة ستبقى داء ولم تتحول إلى دواء ما لم يتم إعتماد مرتكزات مهمة من أبرزها وجود رجل دولة على رأس السلطة السياسية، وهو بدوره يستطيع أن يطبق سيادة القانون والدستور على الجميع ويستطيع أيضا أن يختار النزيه البعيد عن الشبهات، مما يعني التحقق من صحة الفرضية التي انطلقت منها الدراسة.
وقد توصلت الدراسة لعدد من الاستنتاجات لعل من أبرزها
1- إن الحديث عن سياسة الدولة حديث عن مسألة ليست بسيطة، فالسياسة تتعامل مع مسائل مهمة ومعقدة لذلك تحتاج إلى السياسي المحترف الذي يستطيع أن يتعامل مع تلك المسائل باحترافية بعيدة عن الفوضوية التلقائية.
2- إن السياسة بشكل عام سيف ذو حدين، فهي مدمرة إذا أسيء استعمالها، وهي طبيب يعالج العديد من المشاكل إذا ما تم استثمارها بشكل علمي من قبل شخص تنطبق عليه صفات رجل الدولة.
3- إن تحقيق الطب السياسي ليس أمراً مستحيلا، بل أن كثير من البلدان قد حقق طفرات نوعية بفضل وجود معالجات سياسية، والأمثلة كثيرة، وهذا ما أثبتته (تجربة رواندا المتميزة) إذ أن نجاح دولة رواندا أصبحت بمثابة أمل لكل حالة أو مشكلة سياسية عجزت السياسة التقليدية عن حلها، وموضوع نجاح السياسة تحتاج إلى رجل دولة من جهة، وإرادة جماعية من الشعب تساعده وتسانده من جهة أخرى.
4- دول العالم الثالث هي بأمس الحاجة إلى الطب السياسي، كون البلدان تعاني أكثر من غيرها من مشاكل سببها الرئيس والمباشر سياسية بامتياز، فغالبية هذه البلدان تعاني من سياسة سلبية تساهم في إيجاد المشاكل بدل حلها.
5- المواطن المريض يذهب إلى المستشفى لغرض تشخيص حالته من قبل طبيب مختص وكتابة وصفة طبية لغرض العلاج، أليس من الأولى الذهاب إلى المختصين لغرض معالجة المشاكل السياسية الكثيرة والمتعددة والبحث عن المعالج السياسي بقدر البحث عن الطب التقليدي، فالشعوب بالذات العربية منها بحاجة إلى رجل دولة لكي يحول السياسة من كونها مسبب رئيس في المشاكل إلى معالج مهم يساهم مساهمة فاعلة في إيجاد الحل.
Comments
Post a Comment